جديد الموقع:    مؤتمر صوفي عالمي لم يُعلن عنه في موقع الجفري ؟!    ::    فتوى فضيلة الشيخ أحمد عبد الرحمن النقيب    ::    فتوى فضيلة الشيخ حامد عبد الله العلي   ::    فتوى فضيلة الشيخ وجدي غنيم    ::    وقفات مع كتاب "معالم السلوك"    ::    قبر النبي أفضل من عرش الله    ::
 
ينفي وقوع الشرك في الأمة
............................................................................................
 
تحميل المــــــــــادة
صوت وصورة
 
 
التعليق

   الحمد لله والشكر لله والثناء لله وحده ، أما بعد:

     فقد روى الإمام البخاري في صحيحه في باب الجنائز وفي باب الرقاق وفي باب علامات النبوة: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميّت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال: ((إني فَرَطٌ لكم ، وأنا شهيد عليكم ، وإني والله ! لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني قد أُعطِيتُ  مفاتيح خزائن الأرض ، أو مفاتيح الأرض ، وإني والله ! ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها)). 

     هذا الحديث الشريف رواه أيضاً مسلم في صحيحه في كتاب فضائل النبي صلى الله عليه وسلّم ، باب إثبات حوض نبيّنا صلى الله عليه وسلم وصفاته وهو حديثٌ عظيم اعتنى بشرحه وبيان ما يُستفاد منه من أحكام ، علماء المسلمين على مرّ العصور ، وقد اتفقوا على معنى الحديث ودلالاته ، ولم يختلفوا فيه سواءٌ في ذلك المحدّثون منهم أو الفقهاء وعلى مختلف المذاهب الفقهيّة الإسلامية المعتمدة.

     ثمّ جاء في عصرنا هذا  ـ وهو العصر الذي شهدنا فيه رحيل العلماء ، وقبض العلم بقبضهم ، فصارت الساحة مهيّأة لبروز الجُهّال الذين يتكلّمون بغير علم ، ويضلّون الناس ، ويمهّدون للفتن ، ويذكرهم التاريخ بقبيح ما فعلوا وهم يشعرون أو لا يشعرون ـ  مَنْ يقلب معنى هذا الحديث النبوي الشريف ويَخرُج منه بمفاهيم جديدة تُخالف كلّ ما قيل فيه منذ أربعةَ عشر قرناً !!

     أتدرون ما المعنى الجديد ؟ إنه نفيُ وقوع الشرك في الأمّة ، وأنّ الأمّة معافاة منه ، ولا داعي لتحذير الناس منه فهم ، بزعم هذا الدَّعي ، موحّدون ومبرّؤون من احتمال ورود الشرك عليهم ! وهذا الأمر خطيرٌ جدّاً أيها الإخوة ، فإنَّ قَلْبَ المفاهيم الإسلامية القطعيّة والبدهيّة والمسلّم بها عند كل علماء المسلمين ، والمنسجمة مع البيان القرآني الإلهي ، عملٌ مخرّب ومدمّر لأركان هذا الدين ولرأسه وعموده وذروة سنامه !

     ولأوضّح لكم معنى هذا الكلام أقول مستعيناً بالله: إنّ معنى هذا الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر صحابته الكرام أنه لا يخشى عليهم أن يُشركوا بعد موته صلى الله عليه وسلم ولكنه يخشى عليهم بعد أن تُفتح لهم الدنيا أن يتنافسوا فيها ويتقاتلوا لأجلها ، والخطاب موجّه للصّحابة الحاضرين ، وليس لعموم من يطلق عليه اسم صحابي ، بدليل أنه قد ارتدّ الكثير ممن يُطلق عليهم اسم صحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم ، ولكنّ الصحابةَ من المهاجرين والأنصار الذين نصروا النبي صلى الله عليه وسلم والذين تربّوا على يديه صلى الله عليه وسلم وشاركوا معه في غزواته المباركة ورضي الله عنهم في صريح القرآن ، هؤلاء ما كان للشرك أن يتسلل إليهم  ولكنّ الدنيا أشغلت بعضهم فوقع منهم التنافس فيها كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك فإنّ كل العلماء إنما يوردون هذا الحديث في معرِض ذكر معجزاته صلى الله عليه وسلم. وإليكم كلامهم:     امهم:    

·       جاء في شرح مسلم للنووي:

 "  وفي هذا الحديث معجزاتٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنّ معناه الإخبار بأنّ أُمّتَه تملك خزائن الأرض وقد وقع ذلك ، وأنها لا ترتدّ جُمْلَةً وقد عصمها الله من ذلك وأنها تتنافس في الدنيا وقد وقع كل ذلك "  انتهى

·       وجاء في فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر العسقلاني:

" قوله ما أخاف عليكم أن تشركوا أي على مجموعكم لأن ذلك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالى ، وفي هذا الحديث معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم  ولذلك أورده المصنف في علامات النبوة " انتهى من باب الجنائز.

·       وقال أيضاً في شرح الحديث في باب علامات النّبوّة:

" قوله ولكني أخاف أن تنافسوا فيها:  فيه إنذارٌ بما سيقع فوقع كما قال صلى الله عليه وسلم  وقد فُتحت عليهم الفتوح بعده وآل الأمرُ إلى أن تحاسدوا وتقاتلوا ووقع ما هو المشاهد المحسوس لكل أحدٍ ، مما يَشْهَدُ بمصداق خبره صلى الله عليه وسلم  ووقع من ذلك في هذا الحديث إخباره بأنه فرطهم أي سابقهم وكان كذلك ، وأن أصحابه لا يشركون بعده فكان كذلك ، ووقع ما أنذر به من التنافس في الدنيا وتقدم في معنى ذلك حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم)) وحديث أبي سعيد رضي الله عنه في معناه فوقع كما أخبر وفتحت عليهم الفتوح الكثيرة وصُبَّتْ عليهم الدنيا صباً وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الرقاق "  انتهى

     إذاً فعلماء المسلمين متّفقون على أنّ الخطاب موجّهٌ إلى الحاضرين من الصّحابة الكرام ، لا إلى عموم من كان معاصراً للنبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ، فضلاً عن عموم أمته صلى الله عليه وسلم التي تأتي من بعده وتؤمن به إلى قيام الساعة.75;م الساعة.

وهذا الكلام الذي قالوه واتّفقوا عليه سببه:

أولاً ـ أنهم أئمّة وعلماء يفهمون كلام العرب.

ثانياً ـ أنهم لا ينظرون إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منفصلةً ، بل ينظرون إليها مجتمعةً ، لكي لا ينسبوا للنبي صلى الله عليه وسلم التناقض في كلامه ، فهذا الحديث إنما ورد ضمن مجموعة أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم يصفُ فيها حوضه الشريف وما سيكون من أحداثٍ عنده يوم القيامة ، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " إني فرطكم على الحوض ، فإيّايَ ! لا يأتينّ أحدُكم فيُذَبَّ عني كما يُذبُّ البعير الضّال ، فأقول: فيم هذا ؟ فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول سُحقاً ".

وفي رواية أخرى  " فأقولُ: يا ربِّ ! أصحابي ، أصحابي ، فيُقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ".

وفي رواية أخرى  " فأقولُ: أي ربِّ ! أُصَيْحَابي ، أصيحابي...

وفي رواية أخرى  " فلأقولنَّ: أي ربِّ ! منّي ومن أمّتي ، فيقول: إنّك لا تدري ما عملوا بعدك ، ما زالوا يرجعون على أعقابهم  ".

وفي رواية أخرى  " .... وليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ يُحال بيني وبينهم " وكل هذه الرّوايات في الصّحيحين.

     فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول أصحابي ويقول أُصيحابي ويقول منّي ويقول أعرفهم ويعرفوني ‍‍‍!!! ثمّ يقول للمخاطبين في نهاية الحديث: ولله ما أخاف أن تُشركوا بعدي !  إذاً الكلام وبكل وضوح موجَّهٌ لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم و لا يمكن صرفه إلى غير هذا الوجه.

ثالثاً ـ أنهم يدركون أنه لا يمكن لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يشمل جميع الأمّة  لأنّ إخبار النبي بشيء يجب أن يقع كما قال ، والثابت أنّ الأمة بعده حدثت فيها ردّة كبيرة ، وهذا خلاف الخبر ، إذاً فإخبار النبي صلى الله عليه وسلم كان خاصاً بصحابته دون أدنى شك.

رابعاً ـ أنهم يعلمون مِنْ حفظهم لكتاب الله عزّ وجلّ وتدبّرهم لجميع آياته ، أنّ الله تعالى أخبرنا أن الشرك موجودٌ ومصاحبٌ للأمّة دائماً ، لأنّ إبليس تعهّد بإضلال جميع العباد إلا المُخْلَصين منهم ، فلا يمكن فهم هذا الحديث إلا في هذا الإطار ، وإلا لصار الحديثُ مكذِّباً للقرآن ، والعياذ بالله.

·       قال تعالى: {وما يُؤمنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}    

ومما جاء في تفسير القرطبي لهذه الآية: ".... وقال عطاء هذا في الدعاء ؛ وذلك أنّ الكفّار ينْسون ربّهم في الرّخاء ، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدّعاء بيانه: {وإذا مسّ الإنسانَ الضُّرُّ دعانا لجنبه}.... وقيل: معناها أنهم يدْعون الله ينجيهم من الهلكة ، فإذا أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل علينا اللّص ، ونحو هذا  فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى فلان ، ووقايته منسوبة إلى الكلب. قلتُ (أي القرطبي): وقد يقعُ في هذا القول والذي قبله كثيرٌ من عوام المسلمين ؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. انتهى

فكلام القرطبي دليل على أنّه يمكن للمسلمين أن يقعوا في الشرك.

     ومِنَ الشرك نوعٌ غير مغفور ، وهو الشرك بالله في المحبّة والتعظيم ، بأن يُحبَّ مخلوقاً كما يُحبُّ الله. فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله ، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه:    {ومِنَ الناس مَنْ يتَّخِذُ مِنْ دون الله أنداداً يُحبُّونهم كحبِّ الله...} الآية ـ وقال أصحابُ هذا الشرك لآلهتهم ، وقد جمَعَتهم الجحيم: {تا لله إن كنَّا لفي ضلالٍ مبين ، إذ نسوِّيكم بِرَبِّ العالمين} ومعلومٌ أنهم ما سوَّوهم به سبحانه في الخلْق والرّزق ، والإماتة والإحياء ، والملك والقدرة ، وإنّما سوَّوهم به في الحبِّ و التّألّه ، والخضوع لهم والتذلل. وهذا غاية الجهل والظلم.

قال الحافظ ابن كثير: وثَمَّ شرك خفيّ لا يشعر به غالباً فاعله ، كما روي عن حذيفة: " أنّه دخل على مريض ، فرأى في عَضُدِه سَيْرَاً فقطعه ، ثمّ قال: {وما يُؤمنُ أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}

     وفي الحديث  " مَنْ حَلَفَ بغير الله فقد أشرك "  رواه الترمذي عن ابن عمر وحسّنه.

وفي الحديث الذي رواه أحمد  وأبو داود  وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرقى والتمائم والتِّوَلَة شرك "  ورواه الإمام أحمد  بأبسط من هذا عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى باب ، تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. قالت وإنه جاء ذات يوم فتنحنح ، وعندي عجوز ترقيني من الحمرة ، فأدخلتها تحت السرير. قالت فدخل فجلس إلى جانبي ، فرأى في عنقي خيطاً ، فقال: ما هذا الخيط ؟  قالت:  قلت: خيط رُقي لي فيه ! فأخذه فقطعه ، ثم قال: إنّ آل عبد الله لأغنياء عن الشرك. سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتِّوَلَةَ شرك "  قالت: قلت له: لم تقول هذا ، وقد كانت عيني تقذف ، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها ، فكان إذا رقاها سكنت ؟ ! فقال:  إنما ذاك من الشيطان ، كان ينخسها بيده ، فإذا رقاها كفَّ عنها ، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " أذهب الباس ، ربَّ الناس ، اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا يُغادر سقما ".

وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من علق تميمة فقد أشرك ". وأخرج أيضاً عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من ردته الطِّيَرَةُ عن حاجته فقد أشرك ". انتهى

·       وقال تعالى مخاطباً نبيّه الكريم: {ولقد أُوحي إليك وإلى الذين مِنْ قبلكَ لئن أشرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولتكوننَّ مِنَ الخاسرين}

قال القرطبي في تفسيرها: " وهو خطابٌ للنبيّ خاصّة. وقيل: الخطابُ له والمرادُ أمّته ؛ إذ قد علم الله أنه لا يشرك ولا يقع منه إشراك " انتهى

وقال القاسمي: " والمُرادُ به تهييج الرسل وإقناط الكفرة ، والإيذان بغاية قبح الشرك ، وكونُه ينهى عنه مَنْ لا يكادُ يمكنُ أنْ يُباشِرَه ، فكيف بمن عداه ؟  انتهى

وقد روى الإمام أحمد  وأبو داود  والترمذي  وصححه  عن أبي بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي قال:  قل: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ربَّ كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه

     فإذا كانت الأمّة معافاة من الوقوع في الشرك ، فلماذا يُعلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبَّ أصحابه إليه أن يتعوَّذ من شرِّ الشيطان وشركه ؟!  ولماذا كان السلف يقولون في دعائهم: اللهم نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ، ونستغفرك مما لا نعلم. كما ذكر ذلك البغوي وأبو يعلى.

     وقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا: يا رسول الله وما هنَّ ؟ قال: الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ، وأكل الرّبا ، وأكل مال اليتيم ، والتّولّي يوم الزحف ، وقذفُ المحصنات المؤمنات الغافلات ".

     دلَّ هذا الحديث على خطر وقوع الأمّة في الشرك ، بل إنه أوّل خطر يهددها كما رتّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأنه لو كانت هذه الموبقات لا يمكن أن تصاب بها الأمّة فما معنى أمر النبي صلى الله عليه وسلم باجتنابها ؟

    وذِكرُ أحوال الصحابة في تخوّفهم من النفاق وحذرهم من الوقوع في الشرك يطول وأغلب أخبارهم معلومة عند عامّة المسلمين ، ولكنّ أهل الأهواء الذين أعماهم جهلهم وكِبْرُهم عن هذه الحقائق الدَّامغة ، صاروا إذا جوبهوا بها فبدل أن يتوبوا ويُراجعوا أنفسهم عتَوا واستكبروا وأخذوا يخترعون شُبهاً يدلّسون بها على البسطاء والعوام من الناس ؛ فمن ذلك أنّ أحد الجهلة المُضلِّين قال: الذي حدث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شركاً بل كان ردَّةً ! فلا داعي للتخويف من الشرك. وأمّا الصحابة فكانوا يخافون النفاق وليس الشرك.

     وفي الجواب أقول: قبّح اللهُ الجهلَ ما أبشعه وكم يُردي صاحبه ؟  يا هذا وما هي الرّدة ؟ ألم يكونوا يعبدون الأصنام ويشركون بالله ، ثمّ آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلّم. فلمّا ارتدّوا عن الإسلام عادوا إلى ماذا ؟ عادوا إلى عبادة الأصنام وقالوا هؤلاء شُفعاؤنا عند الله ، وهذا هو الشرك. وأمّا قوله في النّفاق أنه غير الشرك ، فهذا أيضاً ممجوج ! ما هو النفاق ؟ أليس هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ! فهل الصحابة كانوا يبطنون الكفر ؟ كما يزعم هذا الجاهل ! طبعاً لا ولكنهم كانوا يخشون أن يقعوا في الشرك وهم لا يشعرون ، فيكونون كمن يظهر الإيمان ويبطن الكفر. مع العلم أن الشرك والكفر لهما في الشرع مدلول واحد ، وهما مترادفان.

     ومن الشبهات الباردة التي يُلقيها هذا الدَّعي قوله: لا تلتفتوا إلى الذين يُحذّرون المسلمين من خطر الوقوع في الشرك ، ويُنادون بالتوحيد الخالص ويتحدّثون عن نواقض التوحيد ، ثمّ يقول متعجّباً وساخراً هل التوحيد له نواقض ؟ أجعلتموه كالوضوء ؟

    وفي الجواب أقول: نعم إنّ التوحيد له نواقض ، مثله كمثل باقي أركان الإسلام التي هي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحجّ البيت. كما علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

     فإذا كان الحجّ له نواقض والصوم له نواقض والصلاة لها نواقض والزكاة لها نواقض ، فلماذا لا يكون لشهادة التوحيد نواقض ؟؟

     وإذا كان التوحيد ليس له نواقض كما يزعم هذا الدَّعي ، فما حكم منْ يشهد ألا إله إلا الله ثمّ يلقي بالقرآن في المزبلة ؟ أو يسبُّ النبي ، أو يُنكر الصلاة ، أو ينسب لله النقص ؟؟

فهل هؤلاء موحِّدون في نظره ؟!

     أمّا علماء المسلمين كافّة فقد حكموا بردّتهم وانتقاض شهادتهم ، وهم المعوّل عليهم ، إننا إذا نظرنا في كتب الفقه الإسلامي وفتاوى العلماء في مختلف المذاهب نجدهم دائماً يذكرون أموراً يقع فيها بعض الجهلة من المسلمين فيحذّرون منها ويقولون إنها تُفضي إلى الشرك والردّة عن الدّين فيجب استتابة فاعلها وتأديبه.

ففي معظم كتب الفقه هناك بابٌ خاص لمسائل الردّة والأمور التي يقع فيها المؤمن فتخرجه عن الدّين ، سواءٌ كانت قوليّه أو اعتقادية.

     وفي الجواب أقول: أعوذ بالله من الخذلان وسوء المنقلب ، إنّ كلامه هذا لأكبر دليل على أننا في آخر الزمان. ألم يسمع بحديث سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول: (بعثتُ أنا والساعة هكذا). رواه مسلم

فما حالنا الآن بعد أربعة عشر قرناً من هذا البيان النبوي الشريف ؟

     على كل حال فإنّ كلَّ شرّاح هذا الحديث يقولون عند شرح قوله " حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين " يقولون: منها ما وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم في خلافة الصديق رضي الله عنه. انظر تحفة الأحوذي ، وعون المعبود.

     أيريد هذا الدعيّ الجاهل أن نكذّب كل علماء المسلمين ونصدّقه ؟ فجميعهم يقولون إنّ الشرك بدأ ينتشر في الأمّة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مباشرة ، ويعُدّون ذلك من معجزاته صلى الله عليه وسلّم حيث وقع ما أخبر به وحذّر من حدوثه. وهذا حديثٌ آخر يصدّق ما قاله علماء الأمّة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: " بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجلُ مؤمناً ويُمسي كافراً ، ويُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً ، يبيعُ دينه بعرَضٍ من الدنيا " أخرجه مسلم والترمذي.

     الخِطاب في هذا الحديث لمن؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب الإسراع بالأعمال قبل الفتن ، فلمن الخطاب إذاً ؟ وهل يُعقل أن يكون الصحابة غير مشمولين بهذا الحديث ، وقد مرّ معنا سابقاً تحذير النبي صلى الله عليه وسلّم لهم من التنافس في الدنيا ، فحصل ما أخبر به صلى الله عليه وسلّم ، وهنا أيضاً في هذا الحديث يخبرهم فيقول: يبيعُ دينه بعرضٍ من الدنيا.

     وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلّم عندما قال: ".. وإنّما أخافُ على أمّتي الأئمّةَ المضلّين ، وإذا وُضِعَ السيفُ في أُمَّتي لم يُرْفَع عنها إلى يوم القيامة ، ولا تقوم السّاعة حتى تلتحق قبائلُ من أمَّتي بالمشركين ، وحتى تعبدَ قبائلُ من أُمَّتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذّابون ثلاثون ، كلّهم يزعم أنه نبيٌّ ، وأنا خاتم النبيين ، لا نبيَّ بعدي ، ولا تزال طائفة من أمّتي على الحق ظاهرين لا يضرّهم مَنْ خالفهم حتى يأتيَ أمرُ الله "   أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وهو صحيح.

     فأوّل شيءٍ خافه رسول الله صلى الله عليه وسلّم على أمّته هو الأئمّة المضلّون ، وهذا قد وقع وما أكثرهم (وهم الذين يبدّلون دين الله ويزهّدون الناس بحقيقة إفراد الله تعالى بالتوحيد ويزيّنون لهم الإشراك به)  وإنا لله وإنّا إليه راجعون ، ثمّ وُضِعَ السيف في الأمّة في عهد الصحابة وهو مستمرٌّ إلى الآن ، ثمّ ارتدّت قبائل من المسلمين ولحقَت بالمشركين ، وعبدوا الأوثان منذ ذلك الحين ، أمثال قبائل البحرين من ربيعة وبكر وعبد القيس وعُمان واليمن من الأزد وخثعم ودوس وبجيلة وبني حنيفة، وكذلك قبائل كندة  وعبس وذبيان وطيء وأسد وغطفان وهوازن ، ثمَّ ظهر الكذّابون الذين يدّعون النّبوة أمثال مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة ، وطليحة بن خويلد الأسدي ، والمختار الثقفي ، والأسود العنسي صاحب صنعاء ، وذو التاج لقيط بن مالك الأزدي وذلك في عصر الصحابة وإلى الآن.

     والحمد لله أنْ أبقى طائفةً من المؤمنين ظاهرين على الحق منذ ذلك الحين وإلى الآن ، تُرشد الناس وتدلّهم على طريق النجاة وترفدهم بالعلم الصحيح.

     وأمّا مسألة لحوق قبائل منَ المسلمين بالمشركين وعبادتهم للأصنام بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم مباشرةً فهذا ثابتٌ ومعروف ، وإنكار ذلك الدَّعِيُّ لها إمّا لشدّة جهله وغفلته ، أو لأنّ معظم تلك القبائل كانت في بلاده التي يسعى لترويج الشرك بالله فيها ، فهو لا يريد أن يلفت انتباه الناس لذلك كي لا تضعُف دعايته.

     فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تقوم الساعة حتّى تضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نساء دوس على ذي الخَلَصَة ، وذو الخلصة طاغيةُ دوسٍ التي كانوا يعبدون في الجاهلية " 

     ورواه الإمام مسلم بلفظ: " لا تقوم الساعة حتّى تضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نساء دوس  حَوْلَ ذي الخَلَصَة " وكانت صنماً تعبُدُها دَوْسٌ في الجاهليّة بتَبَالَة. انتهى

     جاء في شرح الحديث عند النووي والاُبّي: والمراد تضطرب من الطواف حول ذي الخلصة أي يكفرون ويرجعون إلى عبادة الأصنام وتعظيمها ، وأمّا ذو الخلصة فهو صنمٌ كانت تعبده دوس بتبالة ، موضِعٌ في اليمن ، وليست التبالة التي يُضرَب بها المثل ويُقال " أهون على الحجاج من تبالة " لأنّ تلك بالطائف.

قال ابن اسحاق: ذو الخلصة بيتٌ فيه صنمٌ يسمّى ذا الخلصة لدوس وخثعم وبجيلة ، وكان يُسمّى الكعبة اليمانيّة ، بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم جرير بن عبد الله البجلي فحرقه. انتهى

     وقبيلةُ دوس هي من قبائل الأزد التي سكنت اليمن ، وكانت في الجاهليّة تعبد الأصنام ، وصنمهم هو ذو الخَلَصَة ، وكان مروةً بيضاء منقوشة عليها كهيئة التاج ، وموضعه بتبالة في اليمن ، وكانت خثعم وبَجيلة وأزد السَّراة تُعظّمه وتُهدي له. وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت قبائل عدّة من الأزد ،كأزد عُمان الذين أرسل إليهم أبو بكر الصدّيق حُذيفة بن محصن وعرفجة البارقي وعكرمة بن أبي جهل ، فكانت الغلبة للمسلمين وولّى المرتدون الأدبار. وتجمّع قومٌ مِنَ الأزد مع بجيلة وخثعم بشنوءة مِنْ أرض اليمن بقيادة حُميضة بن اليمان ، وقد ارتدوا عن الإسلام ، فبعَثَ إليهم عاملُ الطائف بعثاً التقى بهم في شنوءة ، فشتت جموعهم وفرّقهم عن حُميضة. انتهى ملخّصاً من الموسوعة العربية ج2 صـ9 

     وجاء في الموسوعة الإسلامية الميسّرة ج6 صـ1130 " ذو الخَلَصَة: اسم بيت كان بعض العرب يعظمونه في الجاهلية ، وكانت العرب ـ كما يقول ابن هشام ـ اتخَذَت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوتٌ تُعظّمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحُجَّاب ، وتُهدي لها كما تهدي إلى الكعبة ، وتنحَرُ عندها ، لذا كان يُسمّي بعضُ العرب ذا الخلصة (الكعبة اليمانيّة). وكان اسم الصنم الذي في بيت ذي الخلصة (الوليَّة) ، وقُربه شجرة كبيرة اسمها         (العبلاء) كانت العربُ تقدّسها ، وكان الصنم عبارة عن صخرة بيضاء ، عليها نقشٌ يُشبه التاج.

     يقع ذو الخلصة على حدود اليمن بالنسبة للقادم من مكّة المكرّمة ، في جبال دَوْس ، عند قريةٍ يُقال لها (ثروق) على مشارف وادي (تَبَالة). وكانت تعظمه قبائل خثعم وبجيلة ودَوس. ولمّا قدم وفد بَجيلة إلى المدينة المنوّرة فأسلموا في السنة العاشرة للهجرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجرير بن عبد الله البجلي: " ألا تُريحُني من ذي الخلَصة ؟ "  قال: بلى. فانطلق في مئة وخمسين فارساً ، حتى أتى ذا الخلصة فكسرها وأحرق ما عليها. ويبدوا أنّ جريراً رضي الله عنه كسَرَ الصنم وهدم جُزءاً من البيت ، ولم يهدم البيت كاملاً. وقد أخرج البخاري أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة) وفي هذا إخبارٌ بعودة القبائل التي كانت تُعظّم ذا الخلصة إلى عبادة هذا الصنم ، فتسعى نساء بني دوس حول ذي الخلصة، فترتجُّ أعجازهنّ. 

     وقد ارتدت قبيلةُ خَثْعَم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادت إلى عبادة ذي الخلصة ، فسيَّر أبو بكر رضي الله عنه إليهم جيشاً بقيادة عبد الله بن جرير فأخضعهم.

     ويَذْكُرُ محقق كتاب (أخبار مكّة) للأزرقي ، أنّ قبائل دوس ومَنْ جاورها كانت تُعظّم  في بدايات هذا القرن ، بيتَ ذي الخلَصَة وتنحَرُ عنده ، حتى كانت سنة (1344هـ / 1925م) حيث سيّر إليهم الملك عبد العزيز بن سعود حملةً هدمت البيت ورَمَتْ بأنقاضه إلى الوادي ، وذَكَرَ أحدُ الذين شاركوا في هذه الحملة أنّ بُنيان ذي الخلصة كان قوياً ، بحيث لا يقدر على زحزحة الحجر الواحد إلا عشرات الرجال ".

انتهى

     ولكنّ الشيطان لا يكلّ ولا يملّ ، بل يسعى دائماً لتنفيذ قَسَمِه في إضلال البشر وحَرْفِهم عن جادّة الحق ، فهاهو يُزيّنُ للجهلة أمراً آخر ليُدخِلَهم في الشرك والضلال ، ويُعينه على ذلك أشخاص ركِبوا أهواءهم وشهواتهم فركبهم الشيطان وجعلهم مطيّةً له ، لقد جعلهم يخترعون قبراً نائياً في وُديان وجبال حضرموت من اليمن ، ثمّ زعموا أنّ القبر يضمُّ جثمان نبيّ الله هود عليه السّلام ! ووجدوا بقربه صخرة عظيمة قائمة ولا شيء حولها فزعموا أنها ناقة هود المتحجّرة !! ولا أدري لماذا تحجّرت ؛ ثمّ بعد ذلك اخترعوا له زيارة خاصّة لها وقتٌ معلوم من السنة (لعلّهم اطلعوا على تاريخ ميلاده !!)

     وهنا فعلَ الشيطان فِعْلَته التي عَجَزَ في الماضي عن تحقيقها على يد أبرهة الحبشي ملك اليمن ، عندما بنى معبداً عظيماً ليصرفَ الناس عن حجِّ بيت الله الحرام (الكعبة المشرّفة) ويأتي بهم إلى ذلك المعبد ، ولكنّ العرب وهم في جاهليّتهم قبل الإسلام رفضوا هذا الأمر وتمسّكوا ببيت الله العتيق وأفشلوا مخططَ الشيطان وأحرقوا معبد أبرهة و التجؤوا إلى الله وحده وقال عبد المطّلب: اللهمّ احمِ بيتك. فحمى الله تعالى بيتهُ وقضى على أبرهة وجيشه ، وخنسَ الشيطانُ وهو مخذول.

     ولكنّ عَرَبَ ما بعد الإسلام في حضرموت ، وبعد وفاة رسول الإسلام سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، حقّقوا للشيطان أمنيّتَه واخترعوا حجّاً جديداً إلى قبر هود المزعوم في حضرموت. ووالله ثمَّ والله  ما كنتُ لأصدّق أنّ أمراً مثل هذا قد يحدث بهذه الصورة ، لولا أني رأيتُ وبأمِّ عيني تفاصيل هذا الحجّ وبزعامة ذلك الدّعي نفسه الذي كنا نتكلّم على فتنته في البداية ، وهو برفقة شيوخه وحشود بعشرات المئات من العوام .

     وقد يقول قائلٌ لماذا تسمّيه حجّاً ؟ يكفي أن تقول عنه إنه زيارة لقبر هود عليه السلام.      

وفي الجواب أقول:

1ـ منْ أين لهم أن يعرفوا مكان قبر هود عليه السلام ؟ لقد أخبرنا الله تعالى أنه أرسل نبيّه هوداً لقوم عاد فكذّبوه فأهلكهم الله ، فمن الذي أخبر هؤلاء الأدعياء بمكان قبر هود ؟؟

     وقد يقول قائلهم ، وعلى عادتهم ، إنّ أحد الأولياء عندهم قد فتح الله على بصيرته وأراه مكان القبر ! فنقول له ولماذا يُريه الله قبر هود ؟ ثمّ هل يُعقل أنّ هوداً قد أُهلك مع قومه ! وإذا كان الجواب: لا ، فنقول إذاً ما الدليل على أنه مات في نفس المكان وقُبِرَ فيه ؟ فقد يكون رحل عنه إلى مكان آخر ، لأنّ مكان قومه كان محلاً لغضب الله ، فهل يُعقل أن يبقى فيه هود ليموتَ ويُدفنَ فيه ؟؟ ثمّ إذا كان الأمر كما يدّعون فتحاً من الله ، فإنّ أهلَ فلسطين يقولون: إنّ أحد أوليائهم قد فتحَ الله عليه وأراه قبر هود في فلسطين ! وقبر هود في فلسطين معروف ، ولا أظنّ أن هؤلاء الأدعياء في حضرموت يرغبون في تكذيب أولياء فلسطين. إذاً مَنْ الصادق فيهما ؟؟

     يا قوم لو كان الأمر من عند الله كما يزعمون ؛ وتعالى الله عن افترائهم ؛ لما تعدّدَت الروايات ، ولكنّ الأمر كلّه زورٌ وبهتان ومن مكائد الشيطان.

2ـ لو كان الأمر هو مجرّد زيارة كما يزعمون لما جعلوا له طقوساً وشعائر خاصّة وفي أزمان معيّنة ، فكلّنا يعلم أنّ زيارة القبور ليس لها وقت معلوم ولا كيفيّة معيّنة وإنّما هي للاعتبار والموعظة في أي وقت ، ولكنّ أصحاب هذا الحجّ الجديد جعلوا له طقوساً تشابه مناسك الحجّ والعمرة بل تزيد عليهما ! ففي جمادى الآخرة يبدأ الحض على زيارة هود وفي رجب تكون (التّهويدة) وفي شعبان يكون حجّ القبر في أيّامٍ معدودات وكلّ قبيلة لها يوم خاص للنفرة ، وعند الموعد والتقاء كلّ القبائل في شعب هود يكون الوقوف هناك ثمّ المبيت ثمّ الوضوء من النهر المقدّس ثمّ الرجم !

     ثمّ الشرب من بئر التسلوم (زمزم هود) ثمّ خطبة الزيارة (خطبة الحج) وكل ذلك ضمن أجواء الطبل والزمر والرقص والتلويح بالأعلام والرّايات والصياح (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية) !!!

     هذا ما يفعلونه باختصار ، وهم يُلبّسون على الناس وعلى أنفسهم فيسمّون فعلهم ذلك: لقاء الدعاء في شعب نبيّ الله هود ، ومهما غيّروا من التسميات فإنّ الأمر واضح ويصرخ بأنه حجٌّ لقبر هود المزعوم ، وليس الخبر كالعيان ، لذلك سأرفق برسالتي هذه مقتطفات من التسجيل المرئي والصوتي لوقائع هذا الحجّ لتروا بأنفسكم تلك الطّامة المؤسفة ، كما سأرفق مقتطفات من بعض كتبهم التي تشرح أصول هذه الزيارة وتفاصيل شعائرها. وبعد أن تقرؤوها ستعلمون لماذا أطلقتُ على زيارتهم تلك اسم ((الحجّ)) بل إنّ بعضهم يزعم أنّ من لم يتمكّن من زيارة الكعبة المشرّفة للحجّ والعمرة فإن زيارة هود تكفيه !!!!

     ومن المفارقات العجيبة أنّ زعماء هذا الحجّ المخترع يزعمون أنهم من آل البيت ، ولذلك فهم ملهمون وكل ما يفعلونه فلابدّ أن يكون موافقاً للشرع ، هكذا زعموا !!

ونحن الآن لسنا في صدد النظر في صحّة انتسابهم أو بطلانها ، ولكن الذي يهمّنا أن نعرفه هو حقيقة مواقف آل البيت من مسألة تعظيم القبور واللجوء إليها. وبالطبع لا يهمّنا أبداً الذين يدَّعون النسب وخاصّة بعد أربعة عشر قرناً من وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم ، ولكن يهمّنا الذين لا يَشُكُّ في صحّة انتسابهم إلى البيت المطهّر أحدٌ من الناس ، أمثال الإمام الحسن المثنّى و  الإمام علي زين العابدين ، وإليكم بعض مواقف هذين الإمامين:

     روى الضياء المقدسي في (المختارة) وأبو يعلى والقاضي إسماعيل عن الإمام علي زين العابدين بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجةٍ كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيدخل فيها فيدعو ، فنهاه وقال: ألا أحدّثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ، ولا بيوتكم قبوراً ، فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم).

     وقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد قال أخبرني سهل بن سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشّى ، فقال: هلمّ على العشاء ، فقلت لا أريده ، فقال ما لي: رأيتك عند القبر ؟ فقلت: سلّمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إذا دخلتَ المسجد فسلّم  ثمّ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتخذوا قبري عيداً ، و لا تتخذوا بيوتكم مقابر، وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ، لعن الله اليهود و النصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)  ما أنتم و مَنْ بالأندلس إلا سواء. ا.هـ

     وذكر القصة أيضاً الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمة الإمام الجليل الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن عليّ . بلفظ: أن الحسن المثنى رأى رجلاً وقفَ على البيت الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلّم يدعو له ويصلّي عليه ، فقال للرجل: لا تفعل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيداً.............الخ

     ومِنْ قبيح فعل ذلك الدَّعي الذي ذكرناه آنفاً وحذرنا من خطورة دعاويه وفساد منهجه ؛ أنه يدّعي أمام الناس أنه محبٌّ لآل البيت معظّمٌ لهم ، وعلى المسلمين أن يسلّموا لما يُفتي به علماء آل البيت في زماننا هذا ! لأنّ القرآن نزل على جدّهم وفي بيتهم وأهل البيت أعلم بما فيه ! هكذا يزعم ، ثمّ وبعد كل هذه الدعوى العريضة في وجوب اتباع آل البيت ، رأيناه على الفضائيّات يتجاوز هؤلاء الأئمة ويسفّه أقوالهم ، وذلك أنه عندما حُصِرَ في مسألة تعظيم القبور وما يبتدع عند اتيانها من مسّ وتبرّك وربّما سجود ، أتدرون ماذا فعل ؟ لقد لبّس على الناس كعادته فأوهم الناس أنّ الذين ينهون عن تعظيم القبور وعبادتها إنما هم شيوخ نجد الوهّابيّة وليس لهم سلفٌ في الأمة الإسلاميّة ، لأنّ الأمة بكل علمائها لم تنكر البدع التي ينكرها هؤلاء الوهابية ، بدليل ما قاله الإمام الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ثمّ سرد كلام الذهبي عن ظهر قلب ، ولمّا انتهى انتفش وانتفخ وملأته نشوة النصر ! ولكن أتدرون ما حقيقة المسألة ؟

     إن الذهبي رحمه الله بعد أن ساق القصّة التي ذكرناها آنفاً في إنكار الإمام الحسن المثنى على ذلك الرجل ، واستشهاده بحديث: ((لا تجعلوا قبري عيداً..))  ردّ هذا القول على الإمام الحسن فقال (أي الذهبي): وما استدلَّ حَسَنٌ في فتواه بطائلٍ مِنَ الدِّلالة.. إلى آخر الكلام الذي أُعجبَ به ذلك الدَّعي.

     فهل عرفتم ما القبيح في فعله ؟ لقد دافع عن موقفه الفاسد بكلام الذهبي ، وطَرَحَ كلام الإمام الحسن المثنى ، وكذلك علي زين العابدين ، جانباً وجعله من قول الوهّابيّة الذين لا يحبّهم ويأمل في زوال دولتهم. إذاً فهو يُظهر حبَّ آل البيت وموافقتهم ويُبطن مخالفتهم ويَنسِبُ أقوالهم لأُناس يطعنُ فيهم ولا يعُدّهم مسلمين !! فهل تعلمون ماذا يُسمّى الذي يُظهرُ أمراً ويُبطن خِلافه ؟؟؟

     ورحمَ الله السيّد الجليل الإمام الحسن المثنى بن الحسن بن علي رضي الله عنهما القائل: ((أحبُّونا ، فإنْ عَصَيْنا الله فأبْغِضُونا ، فلو كان الله نافعاً أحداً بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلّم بغير طاعةٍ لنفعَ أباه وأُمَّه)) انظر السير للذهبي

     وبالمناسبة فإنّ ذلك الدَّعي الضال يرفضُ هذه المقولة للإمام الحسن أيضاً ويقولُ بخلافها منْ أولها لآخرها ! وهذا برهانٌ آخر على سوء أدبه مع أئمّة آل البيت الأطهار وردِّهِ لكلامهم إذا لم يُوافق هواه ومذهبه المنحرف.

     هذا بخصوص مخالفة هذا الدّعي لأئمّة آل البيت النبوي المطهّر.

     أمّا بخصوص مخالفته للمذهب الفقهي الذي يدّعي أنه ينتسبُ إليه وهو المذهب الشافعي ، فإليكم أقوال الفقهاء الشافعيّة في مسألة تعظيم القبور والتبرّك بها:

1ـ قال الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري) عند شرحه لهذا الحديث: واختُلِفَ في شدّ الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً و أمواتاً و إلى المواضع الفاضلة لقصد التبرّك بها والصلاة فيها فقال الشيخ أبو محمد الجويني: يحرم شدّ الرحال إلى غيرها (أي المساجد الثلاثة) عملاً بظاهر هذا الحديث ، وأشار القاضي حسين إلى اختياره ، وبه قال عياض وطائفة ، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار بصرة الغفاري على أبي هريرة خروجه إلى الطور وقال له: لو أدركتك قبل أن تخرج ما خرجت واستَدَلَّ بهذا الحديث فدلّ على أنّه يرى حمل الحديث على عمومه ، ووافقه أبو هريرة. ا.هـ

2ـ وقد عنوَنَ الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم فقال: باب النهي عن بناء المساجد على القبور ، واتخاذ الصور فيها ، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد.ثمّ ذكر هذه الأحاديث:

     عن عائشة أنّ أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهم ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسةً رأينها بالحبشة ، فيها تصاوير ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ أولئك إذا كان فيهم الرّجل الصالح فمات بَنَوْا على قبره مسجداً ، و صوّروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة).

     وعن جندب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس ، وهو يقول: (.... ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك). رواه مسلم

      وقال في الشرح: النهي عن اتخاذ قبره صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره مسجداً هو خوف المبالغة في التعظيم فيؤدي الحال إلى الكفر كما اتفق في الأمم الخالية. وقوله (أنهاكم عن ذلك) أكّد النهي عن ذلك ، خوفَ أن يتغالى في تعظيم قبره صلى الله عليه وسلم حتى يخرج من حدّ المبرّة إلى حد المنكر فيعبدَ من دون الله .  ا.هـ شرح مسلم كتاب المساجد.

3ـ جاء في كتاب المجموع للنووي   ج2صـ194 : (يُكره أن يتخذ على القبر مسجد للأحاديث المشهورة في ذلك ، و أمّا حفر القبر في المسجد فحرام شديد التحريم.  )

4ـ وجاء في كتاب " الزواجر عن اقتراف الكبائر " للهيتمي    ج1/148-149

الكبيرة الثالثة و4و5و6و7و8، والتسعون: اتخاذ القبور مساجد و إيقاد السُّرُج عليها واتخاذها أوثاناً والطواف بها واستلامها والصلاة إليها. وبعد أن ساق العديد من الأحاديث التي تحذر من ذلك ، قال: ومن ثَمَّ قال أصحابنا:" تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركاً وإعظاماً "  فاشترطوا شيئين: أن يكون قبرَ معظّم و أن يُقصد بالصلاة إليه ، و مثلها الصلاة عليه ، التبرك والإعظام ، و كون هذا الفعل كبيرة ظاهرٌ من الأحاديث المذكورة لما علمتَ..... ثم قال: نعم قال بعض الحنابلة  قصدُ الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بها عين المحادّة لله ولرسوله وإبداع دين ٍلم يأذن به الله للنهي عنها ثم إجماعاً ، فإن أعظم المحرمات و أسباب الشرك الصلاة عندها  و اتخاذها مساجد أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة (يعني قول الإمام النووي السابق) محمولٌ على غير ذلك إذ لا يُظن بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم  لَعْنُ فاعله ، و تجب المبادرة لهدمها وهدمِ القباب التي على القبور إذ هي أضرُّ من مسجد ضرار لأنها أُسست على معصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نهى عن ذلك ، و أمر صلى الله عليه وسلم بهدم القبور المشرفة ، و تجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر ولا يصح وقفه ونذره. ا. هـ

5ـ وقال الإمام النووي رحمه الله في كتابه (الإيضاح في مناسك الحج) صـ501 قال:

 ".. لا يجوز أن يُطاف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر قاله الحَليمي وغيره ، ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم هذا هو الصواب وهو الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه وينبغي أن لا يغترّ بكثير من العوام في مخالفتهم ذلك ، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بأقوال العلماء ولا يُلتفت إلى محدثات العوام وجهالاتهم ولقد أحسن السيد الجليل أبو علي الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى في قوله ما معناه: (اتّبعْ طُرُق الهدى ولا يضرُّك قلّة السالكين ، وإيّاك وطُرُق الضلالة ولا تغترّ بكثرة الهالكين).  ومن خطر بباله أنّ المسحَ باليد ونحوَه أبلغ في البركة فهو من جهالته وغفلته لأن البركة إنما هي فيما وافق الشرع وأقوال العلماء وكيف يُبتغى الفضل في مخالفة الصواب؟  انتهى كلام النووي

6ـ و قال ابن حجر الهيتمي في حاشيته على كلام النووي : ".. ومن ثَمَّ قال في الإحياء مسُّ المَشاهد وتقبيلها عبادة النصارى واليهود وقال الزعفراني ذلك من البدع التي تنكر شرعا ً، وروى أنسٌ أنه رأى رجلاً وضع يده على القبر الشريف فنهاه وقال: ما كنا نعرف هذا ، أي الدنو منه إلى هذا الحد. وعُلم مما تقرر كراهة مسِّ مَشاهد الأولياء وتقبيلها....ويكره أيضاً الانخفاض للقبر الشريف وأقبح منه تقبيل الأرض له ، لكن قال غيره هذا في الانحناء بمجرّد الرأس والرقبة أمّا بالركوع فهو حرام وأمّا تقبيل الأرض له فهو أشبه شيء بالسجود بل هو هو فلا ينبغي التوقف في تحريمه " ا.هـ

7ـ وقال المناوي في (فيض القدير) عند شرحه لحديث (لا تجعلوا قبري عيداً ، وصلّوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم): وقيل: العيد ما يعاد إليه ، أي لا تجعلوا قبري عيداً تعودون إليه متى أردتم أن تصلّوا عليَّ ، فظاهره منهي عن المعاودة والمراد المنع عمّا يوجبه ، و هو ظنّهم بأن دعاء الغائب لا يصل إليه و يؤيده قوله (وصلّوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي لا تتكلّفوا المعاودة إليّ فقد استغنيتم بالصلاة عليّ ، ثم قال المناوي: ويؤخذ منه أن اجتماع العامة في بعض أضرحة الأولياء في يومٍ أو شهر مخصوص من السَّنة ، ويقولون: هذا يوم مولد الشيخ ، ويأكلون و يشربون و ربّما يرقصون فيه ، منهيٌ عنه شرعاً ، و على ولي الشرع ردعهم عن ذلك و إنكاره عليهم وإبطاله.. انتهى.

     فهذه أقوال وفتاوى الأئمّة الشافعيّة وكلّها تبيّن أنّ ما يفعله هذا الدَّعي وأشياخه في حجّ قبر هود المختَرَع ، هو من الكبائر والمحرّمات ، ومن عبادة النصارى واليهود ، ومن أسباب الشرك ، ومن البدع !!

     وهكذا نرى جميعنا وعلى وجه قاطع خروج هذا الدّعي وأشياخه عن مذهب مجموع الأمّة المسلمة من الفقهاء والزهاد وآل البيت. وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

الصفحة الرئيسة
من نحن
ترجمة علي الجفري
أخطاؤه العقدية
أخطاؤه المنهجية
أخطاؤه الحديثية
كذبه على المراجع
فتاوى العلماء فيه
متفرقات
ساعد على نشر الموقع
اتصل بنا
Free Website Counters
 

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المجهر (www.almijher.com)